• الأربعاء 27 ,أكتوبر ,2021
add image
logo

مفرح سرحان يكتب: لا حياء في الحلم

مفرح سرحان
الجمعة 16 ,أبريل ,2021 رأي

كثر الحديث عن نهاية العالم، هذه حقيقة.. الحديث وليست النهاية.

ولكن يجب أن تعلم أن تلك النهاية سواء اقتربت أم لم تحن بعد، فإنها لا يمكن أن تكون شعورا جمعيا نتشارك فيه، إنها نهاية تتعلق بكل فرد على حدة.. كيف؟

نهاية العالم بالنسبة لك أن تموت وليس بالضرورة أن نموت جميعا في آن واحد، وما دمت حيا فما زال عالمك قائما، وكذلك حلمك.

إنك عندما تقرر ألا تحلم، فقد قررت أن تموت، وبالتالي ينتهي عالمك أنت، وليس العالم كله.

اعتبره اختبارا.. وأنت طالب في صف دراسي ما.

وسل نفسك: هل صعوبة المنهج ستؤدي بزملائك جميعا -وأنت منهم- إلى الرسوب والاستسلام؟

الحقيقة أن هناك من يتغلب على صعوبة المنهج، ويجاهد ليس في سبيل النجاح فقط الذي تراه بالنسبة لك مستحيلا، وإنما التفوق وتسجيل درجات ممتازة، لأن هؤلاء لم يرفعوا الراية ويستسلمون.

هكذا الحياة، وهكذا الحلم، إذا تغلبت على عقبات كل منهما، فلن تشعر أبدا بأن العالم ينتهي أو أوشك على الانتهاء.

إن الخوف من المصير يعجل بالمصير، وكما يقول المثل الشعبي " اللي يخاف من عفريت، يطلع له"

نهاية العالم أمر مفروغ منه، لأن كل مبتدأ له خبر، والعالم طالما كانت له بداية، فخبره نهاية.. هذه سنة كونية، لكن هل يعني ذلك أن نشيد قبرا، ونرتدي كفنا ونوزع ميراثنا على قيد الحياة انتظارا للموت؟

قد يقول قائل: إن الكوارث التي تحل بالعالم، والتغيرات المتلاحقة والظواهر الكونية الغريبة التي نعايشها في القرن الجديد، والأوبئة التي حظرت الحركة في شبه عموم الكرة الأرضية توحي بنهاية وشيكة، من حق القائل أن يقول، ومن حق من يستمع إليه أن يفكر ويتساءل: ما حقيقة تلك المخاوف؟

وللقائل والمستفسر نقول: إن الكوارث ليست وليدة اليوم، والأوبئة ضربت البشرية منذ القدم، وذلك الشعور بالنهاية ربما عايشه أسلافنا الذين عاصروا الحربين العالميتين وعاشوا في زمن الطاعون، فهل انتهى العالم وقتها؟

الذي انتهى بالفعل هم أولئك الذين ضربهم طاعون اليأس والخوف فجلسوا ينتظرون النهاية ولم يكن لهم مشروع حلم يتجاوزون به شعور النهاية.

والذين كان في صدورهم أمل وقتها، استطاعوا أن يحققوا توازنًا نفسيًا حصن مناعتهم ضد الخوف واليأس والاستسلام للشعور الجمعي الطاغي، لأنهم كانوا يحلمون بالغد الذي ينحسر فيه الوباء، وينسحب فيه المحاربون وتسكت فيه البنادق.

إذن..هل أنت بحاجة إلى أن تُريح رأسك فوق وسادة، أو تدسها تحت غطاء ثقيل لتغط في النوم كي يأتيك حلم طائر عجزت عن اصطياده في اليقظة؟

الحقيقة أنك تظلم الحلم.. لماذا؟

لأن الحلم خفيف رشيق عزيز، وأنت تطلبه بالتثاقل والتكاسل والإهانة.

ذلك الطيف الخفيف، تريده في فراشك وأنت غائب عن الوعي، وبالأحرى وأنت في حالة موت جزئي.. فهل سمعت عن ميتٍ يحلم؟

والحلم الرشيق متحرر دوما لا يشد وثاقه قيد.. فهل يحوم في الفراش إلا الوخم والترهل؟

والحلم عزيز جدًا، لا يطلب إلا بالبذل والسعي والتضحية.. فهل يجني أهل السُبات إلا حلما ممنوعا من الصرف، وعملة تذكارية تفضي إلى موجات من الكآبة على حلم قصير لم يتجاوز سويعات النوم قبل أن يستيقظ على واقع يبدد ما سعادة وهمية ولدت في الظلام وانطفأت فيه؟

أنت ترتكب جريمة في حق الحلم إذا ارتبط في حياتك بالموت.. الحلم حياة والحياة حلم، وقصر الحلم على النوم (موت الحي) قصور وعجز.. والحلم لا يأتي لعاجز، ولا يسكن قبور الأحياء.

إذا أردت أن تحلم، فاستيقظ

وإذا استيقظت، فاعقد النية على الحلم

وإذا عقدت النية، فاشحن روحك قبل أن تطير

واعلم أن الذين حققوا أحلامهم قبلك لم تأتيهم في المنام، ولم يطوونها في الفرش.. إنهم انطلقوا بأقصى سرعة كي يصطادوها حتى اقتنصوها فبلغوا درجة الحياة التي تتمناها أنت الآن.

هؤلاء الذين سبقوك إلى الحلم، لم يستحوا من الحلم، فاستسلم لهم وسلمهم مفاتيح السعادة التي لا تزال تبحث عنها في ليلك النائم.

إنهم استأنسوا الأحلام فصارت لهم طوعا، وأنت تريد الأحلام أن تستأنسك.. هذا لن يحدث، فالقوت لا يسعى إلى الأفواه الجائعة إلا كما يحمل الماء السمك الميت إلى المتسكعين على الشاطيء من الذين لا يجيدون الصيد ولم يتعلموا مصارعة البحر واكتشاف كنوزه.

الحلم قوت الحياة.. والحياة عزيزة على من لا يجيد الرماية والصيد.

.. والحياء في الحلم هو الجُبن بعينه

إنك تتراجع بالخوف، لا لتأمن من المغامرة إلى الحلم، وإنما لتموت واقفًا حيث ألزمك الجبن مكانك

سنهذب الجبن ونسميه مجازًا "حياء"، فالحياء خوف منمق وجبن مستتر، لكنه في كل الأحوال أغلال ثقيلة، تُحيل الطائر المغرد في الفضاء الواسع إلى حيوان سمين مترهل يجر أقدامه في مستنقع الخوف.

المغامرة وقود طائرة الأحلام

فالذين لزموا مقاعدهم في محطات الانتظار لن يصلوا، إذ أنهم ينتظرون يدًا تشدهم، وعينًا ترعاهم في رحلتهم، وتذكرة الوعد بالوصول.. وهذا لن يحدث، فمن بلغوا مراتبهم من الأحلام مغامرون بامتياز، والمغامر دائمًا ما يسابق خطواته ويناطح الجاذبية ويحفر في الصخر، فكيف يعود ليلتقط شخصا مثقلا بالخوف مستحٍ من المغامرة، يرهب الفوز الذي تكافء به الأحلام المغامرين الذين يؤمنون أنه «لا حياء في الحلم».

احلموا يرحمكم الله

Top