• الأربعاء 27 ,أكتوبر ,2021
add image
logo

«زياد وأخوته» وكورونا.. معاناة كفيف «يلمس ما لا يراه» في زمن «اللمس الممنوع»

هدير أمجد-شروق محمد - ندى علي - هايدي عاطف - محمد وليد- عمرو حاتم السبت 22 ,مايو ,2021 تقارير

بعصاه البيضاء، وأنامله المُبصِرة، يتحسس «زياد» ذو الأربعة والعشرين عاماً طريقه بالشارع، بعدما انتهى من تمشيةٍ دامت لدقائق معدودة قُرب منزله، ينعم بالهواء الطلق مرة أخرى، بعد فترةِ الحجرِ الصحيّ التي دامت لشهور رتيبة مملة كرهها.

تتسلل إلى أنفه رائحة الشيشة من الكافيتريات الشعبية حوله، رغم توخيه الحذر الشديد والتزامه بارتداء الكمامة واستخدام الكحول الشخصي باستمرار، بعد أنباءِ هجوم موجة جديدة من الكورونا الأشد فتكاً، بحسب وصف الدكتورة «هالة زايد»، وزيرة الصحة والإسكان ، مُشددةً على وجوب التزامهم بالإجراءات الاحترازية المعروفة؛ للوقاية بقدر الإمكان من الفيروس.

لِترتسم معالم الحُزن على وجهه الشاب؛ مُتذكراً إصابة جدته وخالته وابنها بالفيروس، واللحظات الصعبة المؤلمة التي عاشها مع عائلته طيلة هذه الموجة البشعة. جعلته يدرك أن تلك الأرقام عن ضحايا الكورونا التي يقرأها له هاتفه الناطق يومياً، منذ بدايات الفيروس، لم تكن مُزحة أو تهويلاً! 

تلك الإصابة التي جعلته يتغير بشكلٍ جذري، بعد أن كان مُهمِلاً وغير مهتماً بتلك الإجراءات الاحترازية التي فُرضت عليه مؤخراً.

حسب هيئة اليونسكو؛ فالمعاق بصرياً "هو الشخص الذي يعجز عن استخدام بصره في الحصول على المعرفة". ووفقاً لإحصائيات الجهاز المركزي المصري للتعبئة العامة والإحصاء، فإن عدد المكفوفين في مصر حوالي 3.5 مليون كفيف.

تقول مدرب زمالة مكافحة العدوى ورئيس فريق مكافحة العدوى بمستشفى الزاوية العام «سوزي محفوظ إبراهيم»، إن فيروس كورونا المستجد ينتقل للأشخاص عموماً عن طريق الأنف أو الفم أو العين، لافتةً إلى أن دورهم بالمستشفى تدريب المكفوفين على تطهير يديهم أكثر من غيرهم، لأن لمسهم  للأسطح بكثرة يزيد من الخطورة بإصابتهم بالفيروس.

وتؤكد «محفوظ إبراهيم» أنه عند ثبوت إصابة كفيف بفيروس كورونا، وعزله بالمستشفى، يكون لديهم نظام خاص للتعامل معهم، يهدف إلى تقليل فرص لمس الأسطح بكثرة، نظراً إلى أن الكفيف يرى بيديه؛ لذا يقومون على سبيل المثال، بإعطائهم كحول في متناول أيديهم واستخدامهم الشخصي، بعكس المرضى المبصرين الذي يكون هناك مكان مخصص بالمستشفى يذهبون له بأنفسهم من أجل الحصول على الكحول.

وأما بالنسبة لأخذ الدواء، فيجب على الممرضة أن تقوم بتعقيم يد الكفيف بالكحول، وتضع له الدواء في يده، وتتأكد أنه أخذ الدواء بالطريقة الصحيحة لذلك. وتعقم يده مرة أخرى، لأنها لمست فمه. مُنوهةً على وجوب تسجيل الممرضة بأن الكفيف تناول الدواء بالطريقة الصحيحة لذلك في الملف الخاص به.

القراءة للجميع.. فقدان البصر لا يفقد البصيرة!

"الفكرة كلها أني اتقابلت صدفة مع أحد الشباب من ذوي الإعاقة البصرية، كان اسمه «سامح».. وقتها قررت  أن استخدم الفِكر الصحفي بتاعنا كخبرة سنين صحافة يعني في مشروع ينفع يخدم أخواتنا من ذوي الإعاقة البصرية، بتصور يضعهم على الطريق الصحيح والحقيقي للتنمية المجتمعية". بسؤاله عن الأسباب التي دفعته لإطلاق الجريدة، هكذا استهل «أحمد المراغي» رئيس تحرير أول إصدار صحفي للمكفوفين "جريدة الأخبار برايل"، حديثه، وذلك بعد معرفته أيضاً من «سامح» بأن لغة برايل لا تزال مستخدمة بطريقة أساسية ووحيدة إلى يومنا هذا، بالإضافة إلى عدم وجود أي مصادر صحفية مطبوعة بلغة برايل في ذلك الوقت.

ليقترح عليه «المراغي» أن يقوموا بعمل إصدار صحفي معاً لذوي الإعاقة البصرية، ليتم بدئه في عام 2008م و يتحول فيما بعد بعام 2017م إلى مشروع قومي و ليس شخصي، يديره صحفيين من ذوي الإعاقة البصرية، يهدف إلى محاولة إثبات أنه مثلما يوجد صحفيين مُبصرين، يوجد أيضاً صحفيين مكفوفين.

«نهلة سليمان»، طالبة كفيفة من الطلاب الأوائل بإحدى كليات الإعلام عام 2008م، وجدها «أحمد المراغي» نموذج ممتاز للمشاركة في هذا المشروع وإعطائها فرصة لإثبات أنها تستطيع وتستحق أن تعمل بشهادتها الجامعية.

ويرى «المراغي» أن المجهود المبذول في حياة الكفيف مُضاعَف، لأنه يمشي بمرافق، ويشتري كتب بطريقة برايل وهي غالية الثمن مُقارنةً بالكتب العادية للمبصرين، لافتاً إلى أن أقل تقدير يُمكن أن يبديه لهم، أن يكون لهم مشروع حقيقي يدعمهم و يشجعهم نحو الأفضل.

وفى ظل وباء كورونا تضاعفت معاناة الكفيف فى الدراسة والعمل والتنقل وهو لمسته من خلال تعاملي مع مجتمع أصحاب البصيرة.

«كن عيني».. هي مبادرة تطوعية توعوية أطلقناها -بالتاسع من يناير الماضي، غير هادفة للربح- تهدف إلى دعم قطاع المكفوفين في ظل الظروف الراهنة لفيروس كورونا، كما تهدف إلى بث الوعي بين المبصرين بكيفية مساعدة والتعامل مع المكفوفين في زمن "اللمس الممنوع" بطرق علمية سليمة تُقلل انتشار الفيروس، تفاعل مُعظم الناس عليها، بينما آخرين لم يبدوا أي اهتماماً بها.

https://www.facebook.com/groups/755542855358715/?ref=share

https://www.facebook.com/kon3iny/

وطبقاً لاستبيان أجريناه على 80 شخصا من المبصرين، لقياس مدى استجابتهم لطلب المساعدة من المكفوفين أثناء جائحة كورونا، من سن 14 عاماً إلى سن 61 عاماً، يشغلون وظائف مختلفة، أكد 19.2% منهم أنهم يصادفون المكفوفين في الشارع أثناء فترة الكورونا، وأضاف 5.28% مِن مَن صادفوا مكفوفين أنهم قاموا بمساعدتهم، بينما قال 0.24% أنهم لم يفعلوا ذلك ظناً منهم أن هؤلاء ليسوا مكفوفين حقاً و إنما يدعون فقدان البصر، و 0.24% آخرين كانوا يريدون مساعدة المكفوفين لكنهم لم يعرفوا كيف يساعدوهم. 

في حين أجمع 3.84% من المبصرين، أن المكفوفين لديهم مشاكل في عبور الشارع. وأضاف 0.72% آخرون، أن بعض المكفوفين يحتاجون إلى إجراء مكالمة عبر الهاتف، بينما جاءت النسبة 0.24% متساوية مع الذين قالوا أن بعض المكفوفين احتاجوا إلى مساعدة مالية، أو الدخول إلى أحد فروع الاتصالات، أو الاهتمام والمساعدة.

وفي نهاية الاستبيان أشار 0.48% منهم، إلى أنه استخدم القفازات أولاً قبل أن يمسك يد الكفيف، بينما قام 1.2% منهم برش الكحول له و للكفيف أيضا.

ضحايا بالمنتصف.. تحت خط الفقر أم قربان للكورونا؟ 

قبل صدور القرار من رئيس الوزراء «مصطفى مدبولي» بإغلاق مدارس المكفوفين أثناء جائحة الكورونا، لم يكن المدرسون بتلك المدرسة يلتزمون بالإجراءات الاحترازية بحسب «مها السعدني».. المعلمة بمدرسة النور للمكفوفين الحكومية بمحافظة الفيوم.

مُضيفةً أنهم ليسوا على دراية أصلاً بدليل الأشخاص ذوي الإعاقة في مواجهة مخاطر انتشار فيروس كورونا، كما أن المدرسة نفسها غير مجهزة بأي شكل من الأشكال لذوي الإعاقة أنفسهم!

وتابعت، أنه لم يحدث أي حالات إصابة مؤكدة بكورونا غير حالة واحدة لفتاة صغيرة في المرحلة الابتدائية، أما باقي الحالات كانت حالات اشتباه كورونا وليس إصابة مؤكدة. وفي كل الأحوال، لا تمتلك المدرسة أيضاً آليات العزل أو عمل مسحة للطلاب أو ما إلى ذلك، لذا يقومون بالاتصال على ولي الأمر فوراً لكي يأخذ ابنه/ ابنته المصابين بكورونا أو حتى أي اشتباه لديهم من المدرسة، لمحاولة حماية باقي المكفوفين ومنع انتشار الفيروس بقدر الإمكان.

وتابعت قائلة: "من المشكلات التي تواجه المكفوفين بشكل عام، أن معظمهم من بيئات فقيرة جداً "تحت خط الفقر"، أقصى استطاعتهم أن يقومون بارتداء كمامة واحدة دون تغييرها طوال الأسبوع، إن لم تجلب له واحدة أخرى بنفسك.. أما غير ذلك، فإنهم يستطيعون بصعوبة توفير سعر الكمامة".

بمحاولات عديدة للتواصل مع الأستاذة الدكتورة «اقبال السمالوطى»، رئيس مجلس إدارة المركز النموذجي لرعاية وتوجيه المكفوفين، وعميد المعهد العالي للخدمة الاجتماعية سابقاً، هاتفياً وعلى تطبيق "الواتساب"، باتت دون جدوى لأنها رفضت لانشغالها، مُضيفةً أنها لا تستطيع الإفادة بشأن هذا الموضوع لأنه ليس من تخصصها، وبمحاولات أخرى للتواصل مع المدير العام للمركز تدريجياً تهرب.

واختتمت الأستاذة «مها السعدني» حديثها، بأن أولياء أمور المكفوفين لا يستطيعون تقديم شكاوى لأن الجهة المسئولة هي وزارة التربية و التعليم بما أن المدرسة حكومية، إلى جانب أن الفقر يلتهمهم ببطءٍ شديد، وأولادهم من ذوي الإعاقة البصرية يمثلون عبءً كبيراً عليهم، مُنتظرين دور أرواحهم بالصعود إلى خالقها في ظل تسارع انتشار الفيروس.

Top